سيد محمد طنطاوي

392

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والَّمّ : الجمع بدون تفرقة بين الحلال والحرام ، مأخوذ من قولهم : لمّ الطعام ، إذا أكله كله دون أن يترك منه شيئا . أي : ومن صفاتكم القبيحة أنكم تأكلون المال الموروث عن غيركم ، أكلا شديدا ، بحيث لا تتركون منه شيئا ، ولا تفرقون بين ما هو حلال أو حرام ، ولا بين ما يحمد وما لا يحمد ، بل تأخذون حقوقكم وحقوق غيركم من النساء والصبيان . ومن صفاتكم - أيضا - أنكم * ( تُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا ) * أي : حبا كثيرا مع حرص وشره . يقال : جمّ الماء في الحوض ، إذا كثر واجتمع ، ومنه الجموم للبئر الكثيرة الماء . والحب المفرط للمال من الصفات الذميمة ، لأنه يؤدى إلى جمعه من كل طريق ، بدون تفرقة بين ما يحل منه وما يحرم . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد وصف هذا النوع من الناس ، بأنه قد جمع في سوء سلوكه ، بين النطق بالقبيح من الأقوال ، وبين ارتكاب القبيح من الأفعال ، وهي : ترك اليتيم بلا رعاية ، وعدم الحض على إطعام المحتاج ، وجمع المال الموروث بدون تفرقة بين حلاله وحرامه ، والإفراط في حب المال بطريقة ذميمة . وبعد هذا الزجر والردع لهم ، لسوء أقوالهم وأفعالهم ، أخذت السورة الكريمة في زجرهم وردعهم عن طريق تذكيرهم بأهوال الآخرة فقال : - تعالى - : * ( كَلَّا إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ) * . وقوله - تعالى - : * ( كَلَّا إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ) * ردع لهم وزجر عن أفعالهم السابقة ، وهي عدم إكرام اليتيم ، وعدم الحض على طعام المسكين . وقوله : * ( دُكَّتِ الأَرْضُ ) * من الدك : بمعنى الكسر والدق والزلزلة الشديدة ، والتحطيم الجسيم ، وانتصب لفظ « دكا » الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل ، وانتصاب الثاني على أنه تأكيد للأول . وقيل : تكرار « دكا » للدلالة على الاستيعاب ، كقولك : قرأت النحو بابا بابا ، أي : قرأته كله . قال القرطبي : قوله - تعالى - : * ( كَلَّا إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ . . . ) * أي : ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر . فهو رد لانكبابهم على الدنيا ، وجمعهم لها ، فإن من فعل ذلك يندم يوم تدك الأرض ، ولا ينفعه الندم ، والدك : الكسر والدق ، أي : زلزلت وحركت تحريكا بعد تحريك . وقوله : * ( دَكًّا دَكًّا ) * أي : مرة بعد مرة ، زلزلت فكسر بعضها بعضا فتكسر كل شيء